أبي المعالي القونوي
39
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن
صفاته على أحكام باقيها ، كما بيّنّاه ، فإن كان في حال تفرقة - وأعني بالتفرقة هاهنا « 1 » عدم خلوّ الباطن من الأحكام الكونيّة وشوائب التعلّقات - فإنّ التجلّي عند وروده عليه يتلبّس بحكم الصفة الحاكمة على القلب ، وينصبغ بحكم الكثرة المستولية عليه ، ثم يسري الأمر بسرّ الارتباط في سائر الصفات النفسانيّة والقوى البدنيّة سريان أحكام الصفات المذكورة فيما يصدر عن الإنسان من الأفعال والآثار ، حتى في أولاده وأعماله وعباداته التابعة لنيّته وحضوره العلمي . والنتائج الحاصلة من ذلك كلّه عاجلا وآجلا ، وتذكّر قوله صلّى اللّه عليه وآله : « الولد سرّ أبيه » و « الرضاع يغيّر الطباع » ونحو ذلك ممّا اتّضح عند اولي البصائر « 2 » والألباب فلم يختلفوا فيه ، وكانصباغ النور العديم « 3 » اللون بألوان ما يشرق عليه من الزجاج ، فتتكثّر صفات التجلّي بحسب ما يشرق ويمرّ عليه ويتّصل به من صفات المتجلّى له وقواه حتى ينفذ فيه أمر الحقّ اللازم لذلك التجلّي . فإذا انتهى السالك إلى الغاية التي حدّها الحق وشاءها ، انسلخ عن التجلّي حكم تلك الصفات الكونيّة ، فيعود عودا معنويا إلى حضرة الغيب بتفصيل يطول وصفه ، بل يحرم كشفه . وهكذا حكم التجلّيات الإلهيّة مع أكثر العالم فيما هم فيه ؛ فإنّ أوامر الحقّ الإرادية الذاتيّة تنفذ فيهم وهم لا يشعرون بسرّ موردها ومصدرها . فإن كان المتجلّى له في حال جمع متوحّد مع التعرّي عن أحكام التعلّقات الكونيّة على نحو ما مرّ ذكره ، فإنّ أول ما يشرق نور التجلّي على قلبه الوحدانىّ النعت ، التامّ التجلّي ، المعقول « 4 » عن صداء الأكوان والعلائق توحّدت أحكام الأحديّات الكلّيّة المتشعّبة من الأحديّة الأصليّة في المراتب التي اشتملت عليها ذاته كحكم أحديّة عينه الثابتة وأحديّة التجلّي الأوّل الذي ظهر به عينه له ، وبهذه الأحديّة من حيث التجلّي المذكور قبل العبد الإمداد الإلهي الذي كان به بقاؤه إلى ساعته تلك ، ولكن بحسب الأمر الغالب عليه وأحدية
--> ( 1 ) . ق : هنا . ( 2 ) . ق : الأبصار . ( 3 ) . ق : القديم . ( 4 ) . كذا في الأصل والمصقول أنسب .